![]() |
| قانون الشركات: التمييز بين الشركات التجارية والمدنية |
شهد القانون المغربي تطوراً جوهرياً في مفهوم الصفة التجارية للشركات، حيث انتقل من معيار موضوعي يعتمد على طبيعة النشاط، إلى معيار شكلي يستند إلى القالب القانوني للشركة. هذا التحول، الذي تبلور مع صدور التشريع الجديد، أعاد رسم الحدود بين الشركات التجارية والمدنية، وأثر بشكل كبير على تنظيم الأنشطة الاقتصادية في المغرب.
معيار التمييز بين الشركات التجارية والمدنية قديماً
كان التمييز، إلى وقت قريب، بين الشركات التجارية والمدنية يتم وفق نفس معايير التمييز بين التاجر وغير التاجر، أي استناداً إلى نوع النشاط المزاول، هل هو تجاري أو مدني. فالتجار الأفراد يكتسبون الصفة التجارية بممارستهم لنشاط تجاري على سبيل الاعتياد أو الاحتراف، مما يعني أن المعيار في ذلك معيار موضوعي، حيث من النشاط تنسحب الصفة التجارية على الممارس.
ويسري نفس المنطق ذاته بالنسبة للشركات؛ فالشركة كانت تعتبر تجارية إذا كان غرضها، أي نوع النشاط الذي تمارسه، تجارياً، وكانت تعتبر مدنية إذا كان غرضها مدنياً.
الانتقال إلى المعيار الشكلي في القانون المغربي الجديد
غير أنه بصدور القانون الجديد للشركات، تغير الوضع بشكل جذري. فقد نص المشرع المغربي، على غرار المشرع الفرنسي، على اعتبار كافة الشركات تجارية بالشكل، باستثناء شركة المحاصة التي لا تعتبر تجارية إلا إذا كان غرضها تجارياً.
والمقصود بالمعيار الشكلي أن تكتسب الشركة الصفة التجارية بمجرد اتخاذها أحد الأشكال القانونية التي حددها المشرع، مع احترام الإجراءات الشكلية المقررة لها، كالكتابة والشهر وغيرهما من الشكليات القانونية. وبناءً عليه، فإن الشركة تُعد تجارية متى انتظمت في الإطار القانوني المخصص لها، بصرف النظر عن طبيعة النشاط الذي تمارسه، حتى لو كان هذا النشاط مدنياً في الأصل.
وبمعنى أدق، تعد الشركة تجارية إذا اتخذت شكلاً من الأشكال التالية: شركة تضامن، أو شركة توصية بسيطة، أو توصية بالأسهم، أو شركة ذات مسؤولية محدودة، أو شركة مساهمة. فقد نظم القانون كل واحدة من هذه الشركات، واستلزم فيها اتباع النظام القانوني الموضوع لها، بما فيه الإجراءات الشكلية الواجب احترامها عند تأسيسها، وعندئذ تعد تجارية حتى ولو كان نشاطها مدنياً.
وهذا يعني، بالمعنى المخالف، أنه إذا لم تحترم في تأسيس الشركة النظام الخاص الموضوع من قبل قانون الشركات، فإنها لا تعد تجارية إلا إذا كان غرضها تجارياً(1).
أسباب إضفاء الصبغة التجارية بالشكل
الاعتبار الأول: يتمثل في رغبة المشرع في توفير حماية أكبر لدائني هذه الشركات والمتعاملين معها، وذلك بإخضاعها للقواعد الخاصة بالشركات التجارية، خاصة ما يتعلق بالإشهار والمساطر الجماعية عند مواجهة صعوبات مالية.
الاعتبار الثاني: يتمثل في تشجيع الاستثمار من خلال تمكين مختلف الأنشطة، حتى المدنية منها، من الاستفادة من المزايا التي يوفرها النظام القانوني للشركات التجارية، لما يتميز به من تنظيم محكم وفعالية في إدارة المشاريع.
النتائج المترتبة عن الاعتماد على الشكل
قد نتج عن إضفاء الصبغة التجارية بالشكل على الشركات الخمسة المشار إليها أعلاه عدة نتائج مهمة، نجملها فيما يلي:
- امتداد الصفة التجارية إلى الأنشطة المدنية التي تزاول من خلال هذه الشركات، حيث على خلاف المبدأ بالنسبة لتاجر الفرد، فإن المعيار هنا ليس موضوعياً وإنما شكلي.
- ازدواجية مصدر الصبغة التجارية للشركة، فأصبحت تستمد إما من شكلها (وهذا شأن الشركات الخمسة المذكورة سابقاً)، أو من موضوعها أي نوع النشاط المزاول (وهذا شأن شركة المحاصة التي تعتبر تجارية إذا كان غرضها تجارياً).
- ضيق نطاق الشركات المدنية، فأصبح ينحصر في تلك التي يكون غرضها مدنياً، ولا تتخذ شكل إحدى الشركات التجارية بالشكل.
المصادر القانونية المنظمة للشركات التجارية
تخضع الشركات التجارية في تنظيمها إلى ثلاث فئات من القواعد: قواعد القانون المدني، والقوانين التجارية، واتفاقات الأطراف.
فالقواعد الاتفاقية هي الشروط التي يتفق عليها الشركاء عند تأسيس الشركة، أو بعد تأسيسها. أما بالنسبة للقانون المدني، فإن عقد الشركة يخضع، بالإضافة إلى أحكام العقد العامة، للأحكام الخاصة بعقد الشركة - مدنية كانت أو تجارية - الواردة في الفصول من 959 إلى 1091 من ق.ل.ع، وهي نصوص اعتراها بدورها القدم وعدم الملاءمة.
الخلفية التاريخية: الإحالة إلى القوانين الفرنسية
وبالنظر للنقص الذي كانت تعرفه هذه المدونة، فقد أصدر المشرع بتاريخ 11 غشت 1922 ظهيراً قضى بتطبيق القانون الفرنسي الصادر في 24 يوليو 1867 على شركتي المساهمة والتوصية بالأسهم.
كما أنه في فاتح شتنبر 1926 أصدر ظهيراً آخر قضى بتطبيق القانون الفرنسي الصادر في 7 مارس 1925 على الشركة ذات المسؤولية المحدودة.
وهذا يعني أن المشرع المغربي تبنى بعض القوانين الفرنسية، لسد النقص الذي كانت تعانيه النصوص الوطنية المتعلقة بالشركات التجارية.
نقاط الضعف ودوافع الإصلاح
- عدم ملاءمة النصوص الأجنبية للخصائص المغربية.
- تطور تلك القوانين في البلاد الأصلي، دون أن يتم اعتماد تلك التعديلات في المغرب.
- كثرة الإحالات على القوانين الفرنسية، مما جعل القانون المغربي غير منسجم.
- محاضرات في مادة الشركات الدكتور حميد اليسسفي
- (1) المادة الأولى من القانون رقم 17.95 بالنسبة لشركة المساهمة، والمادة الثانية من القانون رقم 5.96 بالنسبة لباقي الشركات.
