القانون العقاري: مقدمة في تصنيف الأنظمة العقارية المغربية

اكتشف خريطة الأنظمة العقارية في المغرب بطريقة مبسطة وواضحة: من الأراضي السلالية والأحباس إلى الملك العمومي والتحفيظ العقاري، مع أهم الإشكالات القانوني

القانون العقاري: مقدمة
القانون العقاري: مقدمة في تصنيف الأنظمة العقارية المغربية

مقدمة

يحتل العقار مكانة أساسية داخل المنظومة القانونية المغربية نظراً لدوره المحوري في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره أساساً لمعظم المشاريع الاستثمارية ومصدراً مهماً للمداخيل الوطنية.

ويتميّز النظام العقاري المغربي بازدواجية بنيته وتعدد أنظمته القانونية، مما أدى إلى تداخل النصوص وتعقّد الوضعية القانونية للعقار، وصعوبة الإلمام بمختلف القوانين المنظمة له. وقد نتج عن هذه الازدواجية وجود نظامين رئيسيين: نظام خاص بالعقارات غير المحفظة ونظام خاص بالعقارات المحفظة.

فالعقارات غير المحفظة تخضع لمقتضيات مدونة الحقوق العينية، مع الرجوع عند غياب النص إلى قانون الالتزامات والعقود والفقه المالكي. أما العقارات المحفظة فتخضع لظهير التحفيظ العقاري لسنة 1913 كما تم تعديله بالقانون 14.07، إضافة إلى مدونة الحقوق العينية 39.08.

كما يعرف النظام العقاري المغربي تنوعاً في أصناف الملكية العقارية، من أبرزها: الأراضي السلالية، أراضي الأحباس، الأراضي الموات، الأملاك العمومية، أراضي الجيش، وأملاك الخواص.

أراضي الجماعات السلالية

أراضي الجماعات السلالية هي الأراضي التي تملكها الجماعات السلالية ويتم تدبيرها وفق ظهائر وقوانين خاصة، مع مراعاة الأعراف المحلية وعادات القبائل، ما دامت لا تتعارض مع النصوص التشريعية.

ويعد ظهير 27 أبريل 1919 من أهم النصوص التي نظمت طرق استغلال هذه الأراضي منذ فترة الحماية. وقد عرف هذا النظام تحولاً مهماً بعد الرسالة الملكية الموجهة للمناظرة الوطنية حول السياسة العقارية للدولة بالصخيرات سنة 2015، والتي دعت إلى تمليك الأراضي الجماعية الواقعة داخل دوائر الري لفائدة ذوي الحقوق مجاناً.

وفي إطار تحديث المنظومة القانونية، صدرت سنة 2019 ثلاثة قوانين أساسية لتنظيم تدبير أراضي الجماعات السلالية، وهي:

  • القانون 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.
  • القانون 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية.
  • القانون 64.17 المتعلق بالأراضي الجماعية الواقعة داخل دوائر الري. 

أراضي الأحباس

يعرف نظام أراضي الأحباس بكونه نظاماً يقوم على حبس المال والتصدق بمنفعته لوجوه البر والخير، ويخضع لمدونة الأوقاف لسنة 2010. ويُعد الوقف العام كل وقف خُصصت منفعته لتحقيق منفعة عامة، كما تعتبر بقوة القانون جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية ومرافقها من الأوقاف العامة، ويتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية منذ إنشائه، وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وتمثيله قانونياً.

الوقف العام:

هو الوقف الذي تُخصص منفعته لوجوه البر والإحسان وتحقيق المصلحة العامة، وتتولى وزارة الأوقاف تدبير عائداته وصرفها في المجالات الخيرية والدينية.

الوقف المعقب:

هو الوقف الذي يخصصه الواقف لفائدة أولاده أو عقبه أو ذريته. وقد قيدت المادة 109 إنشاؤه في حدود ثلاث طبقات فقط: الموقوف عليه ثم أولاده ثم أولاد أولاده، ويُعد ما زاد عن ذلك باطلاً، باستثناء الأوقاف المعقبة المنشأة قبل دخول المدونة حيز التنفيذ. وعند انقراض المستفيدين يرجع الوقف إلى ورثة الواقف، وإن لم يوجدوا يؤول إلى الأوقاف العامة ما لم يحدد الواقف جهة أخرى.

الوقف المشترك:

هو الوقف الذي يجمع بين جهة عامة وشخص معين أو ذريته، بحيث يوجه ريعه إلى المنفعة العامة وإلى المستفيدين المحددين في آن واحد.

وتظل أراضي الأحباس غير قابلة للتفويت، ولا يجوز نزع ملكيتها إلا بإذن الجهة الحكومية المكلفة بالأوقاف، كما أن الحيازة لا تؤثر فيها ولا تسقط بالتقادم.

الأراضي الموات

يمكن تعريف الأراضي الموات بأنها الأراضي التي لا مالك لها، ولا سبيل إلى الانتفاع بها، وذلك لأسباب منها:

  • غمر المياه لها، ويكون إحياؤها بصرف الماء عنها.
  • الجفاف وانقطاع الماء عنها، ويكون إحياؤها بشق الجداول لإيصال الماء إليها أو حفر الآبار بها.
  • عدم استواء سطحها أو وجود الأتربة والرمال والأحجار والنباتات الضارة بها، ويكون إحياؤها بتسويتها وإزالة هذه العوائق حتى تصبح صالحة للاستغلال في الزراعة أو البناء أو غيرهما.
وقد نصّت المادة 224 من مدونة الحقوق العينية على أن:
"إحياء الأرض الموات يكون بجعلها صالحة للاستغلال، ويتم ذلك بزراعتها أو غرس الأشجار بها أو إقامة منشآت عليها أو تفجير ماء بها أو صرفه عنها."

ويجدر التنبيه إلى أن الأراضي الموات في الوقت الحالي تُعد ملكاً للدولة، ولا يجوز لأي شخص تملكها بمجرد إحيائها، بل يجب الحصول على إذن صريح من السلطات المختصة.

وقد أكدت المادة 222 من مدونة الحقوق العينية أن:
"الأراضي الموات التي لا مالك لها تكون ملكاً للدولة، ولا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقاً للقانون."

كما نصت المادة 223 على أن:
"من أحيى أرضاً من الأراضي الموات بترخيص من السلطة المختصة فله حق استغلالها."

وبذلك يتضح أن الأراضي الموات تبقى ملكاً للدولة، ويجب على الراغب في إحيائها الحصول على إذن وترخيص وفق مسطرة قانونية محددة.

هل يخول الإحياء ملكية الأرض الموات؟

الإحياء لا يخول صاحبه ملكية الأرض ملكية تامة، وإنما يمنحه حق الاستغلال فقط، وهو أحد عناصر حق الملكية الثلاثة:
الاستعمال – الاستغلال – التصرف.

الملك العمومي وأملاك الدولة الخاصة

تُعتبر الأملاك العامة للدولة هي الأموال التي تملكها الدولة والمخصصة لاستعمال العموم أو لتحقيق المنفعة العامة، ولا يجوز لأي شخص تملكها أو التصرف فيها، لأنها تبقى مشاعة بين الجميع بحكم طبيعتها أو بحكم تخصيصها لخدمة المصلحة العامة. ومن أمثلتها: القناطر، والطرق العمومية، والشواطئ، والموانئ، والأنهار، والجداول، والبحيرات، وكل ما هو موضوع لخدمة عموم المواطنين.

أما الأملاك الخاصة للدولة فهي كذلك مملوكة للدولة، غير أنها قابلة للاستغلال من طرف الأفراد أو تفويتها لهم بالبيع وفق القوانين المعمول بها، مثل الأراضي الفلاحية أو الأراضي الصالحة للبناء التي تقوم الدولة بتهيئتها وبيعها للأفراد، إضافة إلى الدور والعمارات التي تنجزها الدولة في إطار محاربة أزمة السكن وغيرها.

وقد صدر ظهير فاتح يوليوز 1974 بشأن الملك العمومي، والذي نص على وجود نوع من الخيرات بالمملكة لا يمكن حيازته مبدئياً نظراً لطبيعته وصبغته العمومية ووجوب بقائه في متناول الجميع. كما حدد هذا الظهير قواعد تدبير الملك العمومي، ونص في فصله الرابع على أن الملك العمومي غير قابل للتصرف وغير قابل للتقادم، أي أن حيازته مهما طالت لا تؤدي إلى تملكه.

ويقصد بعدم قابلية الملك العمومي للتصرف منع كل تصرف قانوني غير مشروع فيه، كبيعه أو تملكه عن طريق الحيازة الطويلة.

وقد حدد الظهير المذكور أمثلة للأملاك العمومية، من بينها: شواطئ البحار، والخلجان، والمستنقعات، والسدود، والطرق، والسكك الحديدية، والجسور.

ويجدر التنبيه إلى وجود أنواع من الأملاك الخاصة للدولة التي تتولى تدبيرها مديرية أملاك الدولة، وتشمل البنايات الإدارية وعدداً من مساكن الموظفين. وهذه الأملاك لا تُكتسب بالحيازة، لكنها تبقى قابلة للتصرف فيها وتفويتها للغير وفق المساطر القانونية المعمول بها، ويتولى مراقب أملاك الدولة في كل مدينة الإشراف على تدبيرها وصيانتها عند الحاجة.

أراضي الجيش

يقصد بأراضي الجيش مجموع الأراضي الرعوية والفلاحية التي اقتطعتها الدولة لفائدة القبائل التي كانت تشكل وحدات من الجيوش المغربية، حيث كان الانتفاع بها مقصوراً على أفراد تلك القبائل دون غيرهم.

وتُعد أراضي الجيش أراضي فلاحية أو قابلة للفلاحة أو مراعي تُستغل على وجه الشياع بين أفراد القبائل أو العشائر أو الدواوير. وقد خُصصت أساساً لاستعمال سكان القبيلة المقيمين بها لتحقيق منفعتهم الخاصة، ولا يجوز حيازتها أو اكتساب ملكيتها بطول مدة وضع اليد عليها، كما لا يمكن تفويتها أو التصرف فيها.

وتخضع طريقة استغلال هذه الأراضي في الغالب للأعراف المحلية، حيث تُوزع بين أفراد القبيلة ما داموا مقيمين بها وقائمين بحرثها وزراعتها. وإذا توفي المستغل دون أن يترك عقباً، تعود القطعة الأرضية إلى فرقته داخل القبيلة. أما المرأة فلا ترث حق الاستغلال في الأرض، وإنما يكون لها حق الانتفاع بالغلة وفق الأعراف التي كانت سائدة.

ولا يوجد نص قانوني خاص ينظم أراضي الجيش بشكل مستقل، غير أنه يمكن الرجوع إلى الظهير الصادر في 3 يناير 1916 المتعلق بتحديد أملاك الدولة باعتبارها في الأصل من أملاك الدولة، كما تشرف مديرية أملاك الدولة التابعة لوزارة المالية على تنظيم طرق استغلالها.

وقد نص القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها على سريان أحكامه على أراضي الكيش التي تم التخلي عن ملكية رقبتها لفائدة الجماعات السلالية المعنية.

الأملاك الغابوية

يقصد بالأملاك الغابوية الأملاك التابعة للدولة والتي تكون عبارة عن غابات أو في حكم الغابات، وذلك وفق مقتضيات ظهير 10 أكتوبر 1917 بشأن حفظ الغابات واستغلالها.

ويشمل الملك الغابوي للدولة ما يلي:

  1. الغابات المخزنية.
  2. الأراضي المغطاة بالحلفاء (منابت الحلفاء).
  3. التلال الأرضية والتلال البحرية الى حد الملك العمومي البحري حسبما بين هذا الحد في التشريع الخاص بالملك للملكة المغربية.
  4. المنازل الغابوية وملحقاتها والمسالك الغابوية والأغراس والمسائل المحدثة في الغابات المخزنية ومنابت الحلفاء أو التلال وكذا الأراضي المنجزة للملك الغابوي لأجل منشئات كهذه عن طريق الهبة أو الشراء أو المعاوضة العقارية.
  5. الأراضي المخزنية المعاد غرسها بالأشجار أو التي ستغرس من جديد والأراضي التي اشترتها من الملك الغابوي لإعادة غرسها أو التي ستغرس من جديد والأراضي التي اشتراها الملك الغابوي لإعادة غرسها وكذا ملحقاتها كالمنازل الغابوية والمزارع
    .

وتخضع هذه الأملاك لنظام قانوني خاص يهدف إلى حمايتها وتنظيم استغلالها بما يضمن الحفاظ على الثروة الغابوية.

أملاك الخواص

يقصد بها العقارات التي تعود ملكيتها إلى أشخاص ذاتيين أو معنويين، يستغلونها ويتصرفون فيها بجميع أنواع التصرفات القانونية، من بيع وشراء وهبة وصدقة وكراء وغيرها، وتشكل هذه الأملاك النسبة الأكبر ببلادنا والأكثر انتشاراً من أي نظام آخر.

وقد كان العمل بأحكام الفقه المالكي لضبط تصرفات الأفراد العقارية مُدعَّماً بالعديد من الظهائر الملكية والإجراءات المسطرية.

وبالرغم من كل هذه الإجراءات والشكليات، فإن إثبات هذه الأملاك الخاصة، لاسيما بمناسبة المنازعات، ظل يفتقر إلى النجاعة والقوة اللازمتين لحماية الملك، فضلاً عن الغموض الذي يشوب بعض الألفاظ التي قد يستعملها بعض العدول، وتعارض الحجج، وعدم ضبط المواقع بالدقة اللازمة، إضافة إلى ذكر المساحة على وجه التقدير، والذي كان هو الأصل، بمقاييس تختلف من منطقة لأخرى ومن زمان لآخر.

 ختاما يتضح أن تعدد الأنظمة العقارية يظل أحد أكبر تحديات الأمن العقاري بالمغرب. ويبرز التحفيظ العقاري ورقمنة المنظومة كأهم مفاتيح تبسيط المساطر وتوحيد الملكية، لكن نجاحهما يبقى رهيناً بإصلاح شامل وتعميم الوعي القانوني.

ادخل وجرّب نفسك الآن — اضغط على Quiz واختبر نفسك.

إخلاء المسؤولية

هذا المحتوى تعليمي وتثقيفي فقط، أُعدّ لأغراض دراسية وتبسيط المفاهيم المرتبطة بالقانون العقاري المغربي، ولا يُعد استشارة قانونية أو رأياً ملزماً يمكن الاعتماد عليه في النزاعات أو الإجراءات الرسمية. يُنصح بالرجوع إلى النصوص القانونية الأصلية أو استشارة مختص قانوني عند الحاجة.

المصادر المعتمدة

  • قانون التحفيظ العقاري ذ. مصطفى رفيق
  • مدونة الحقوق العينية رقم 39.08.
  • ظهير التحفيظ العقاري بتاريخ 12 غشت 1913 كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 14.07.
  • مدونة الأوقاف الصادرة بتاريخ 23 فبراير 2010.
  • القوانين 62.17 و63.17 و64.17 المتعلقة بأراضي الجماعات السلالية (2019).
  • ظهير فاتح يوليوز 1974 المتعلق بالملك العمومي.
  • ظهير 10 أكتوبر 1917 بشأن حفظ الغابات واستغلالها.

انتقل إلى الدرس التالي بالضغط على "NEXT"

إرسال تعليق

حقوق النشر © StudLex جميع الحقوق محفوظة
x